أزمة الثقة بين الدولة والشباب المغربي
◆ محسن الودواري

بتاريخ 20 غشت 2018، صادق المجلس الوزاري على مشروع قانون رقم 44.18 المتعلق بالخدمة العسكرية، ويأتي هذا المشروع في سياق اجتماعي وسياسي تطبعه الأزمة البنيوية التي تعرفها الدولة المغربية بعلاقتها مع الشباب، والتي تريد الخروج منها دون خسائر، خصوصا مع تنامي الوعي السياسي الغير مؤَطر حزبيا .
ويمكن قراءة هذا المشروع من زاويتين؛ أولا من زاوية تاريخ الإعلان عن المشروع، وهو تاريخ مرتبط بمناسبة وطنية يمكن أن نستشف منها مجموعة من التأويلات مرتبطة بتاريخ ذكرى ثورة الملك والشعب، ثانيا السياق الوطني المتعلق بتراكم مجموعة من الأحداث ابتدأت مع حراك الريف وجرادة وزاكورة، مرورا بالمقاطعة، الاحتجاجات التلاميذية، واحتجاجات «الالتراس» ثم الهجرة نحو الشمال. فمن الناحية، الأولى فالدولة المغربية استثمرت هذه المناسبة لكي تمرر مشروعها الذي أعطت له مجموعة من التبريرات حسب ما أورده مقال لإسماعيل حمودي بالمركز المغربي لتحليل السياسات وهي كالتالي: تقویة روح الانتماء للوطن، تعزيز قیم الانضباط والمسؤولیة لدى الشباب المغربي، التربية على احترام المؤسسات، تعزيز التماسك والاندماج الاجتماعي وسط الشباب المغربي الصاعد، في ظل تصاعد النزعات الجھویة والمناطقیة (ریفي، صحراوي..)، والنزعات الإثنیة (عربي، أمازیغي…)، وربما النزعات المذھبیة التي تحرص الدولة على مجابھتھا باستمرار من خلال السياسة الدینیة، استعمال التجنيد الإلزامي قناة للرفع من مستوى التكوين والاحتراف والمھنیة في مختلف الأجهزة الأمنية، خصوصا إذا تمت إعادة تدویر المستفیدین من الخدمة عن طریق توظيفهم في الأجهزة الأمنية الأخرى مثل الشرطة والقوات المساعدة والوقایة المدینة وإدارة السجون، إسهام الجیش في تأھیل وتشغيل الشباب العاطل، خصوصا إذا تم التركیز خلال مدة الخدمة العسكرية على التكوين المھني والتقني .
لكن الذي يجب إدراكه بشكل جيد هو السياق الداخلي الذي تعرفه البلاد، ويتعلق الأمر بالاحتقان الاجتماعي وما خلفه من احتجاجات شعبية مجالية سنتي 2016 و2018 في الريف بعد مقتل محسن فكري بالحسيمة، وجرادة بعد موت عاملي « الساندريات «، حيث تعتبر هاتان الواقعتان النقطتين اللتين أفاضتا الكأس، وجعلت المواطنين يخرجون للشارع ويرفعون مطالب اجتماعية واقتصادية، تتعلق أساسا بالتوزيع العادل للثروة على المستوى المجالي والترابي. ومع انتهاء الاحتجاجات بكل من الريف وجرادة تحت قبضة أمنية ومحاكمات قاسية، برزت مجددا احتجاجات الملاعب، وهي احتجاجات ذات بعد سياسي دون تأطير من قبل الأحزاب السياسية، خصوصا مع مشجعي فريقي نادي الرجاء البيضاوي، والنادي القنيطري.
وفي هذه الدينامية الاحتجاجية الساخطة على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، برزت أيضا احتجاجات تلاميذية رافضة بدورها لمشروع متسرع يتعلق بالساعة الإضافية، حيث عبر التلاميذ عن سخطهم وتذمرهم تجاه هذا القرار، ثم المقاطعة التي ساهمت فيها وسائط التواصل الاجتماعي بشكل كبير، والتي أرغمت ثلاث شركات كبرى للتراجع النسبي عن أثمان بيع منتوجاتها.
ومن هنا يتبين أن أسباب هذه الدينامية الاحتجاجية التي عرفتها السنوات الثلاث السابقة هي في العمق أسباب اجتماعية واقتصادية وسياسية، مرتبطة بغياب العدالة الاجتماعية والمجالية والتوزيع الغير عادل للثروة الوطنية واستثمارها، ثم احساس المواطن بالغبن ( بالحكرة)، بالإضافة إلى البطالة والفقر والهشاشة الاجتماعية. فحسب دراسة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبیئي (مبادرة وطنیة جدیدة مندمجة لفائدة الشباب المغربي)، ظلت غالبیة الشباب المغربي، من الفئة التي تتراوح أعمارھم ما بین 15 و34 سنة، على ھامش النمو الاقتصادي المطرد الذي شھدته المملكة خلال السنوات العشر الأخیرة“. وتنتشر البطالة في صفوف ھاته الفئة بنسبة 20%، في حین أن 50% منھم یعملون في مناصب شغل بأجور زھیدة وغیر قارة، أما ثلثا الفئة نفسھا فقد انقطعت عن الدراسة.
من هنا يمكن فهم الأسباب والدوافع لسن مشروع 44.18 المتعلق بالخدمة العسكرية، خصوصا وأنه لم يكن مدرجا في البرنامج الحكومي، بل جاء نتيجة هذا السياق، وهذا ما يجعلنا نفهم، مدى سلطة المجلس الوزاري من حيث القوة التشريعية للقوانين، بالمقارنة مع البرلمان الذي يعرف في الأدبيات السياسية بالسلطة التشريعية والرقابية، ثانيا مدى غياب القرار الحزبي لمكونات الحكومة، ومكتب مجلس النواب الذي رفض قرار لجنة العدل والتشریع التي قررت بالإجماع إحالة مشروع القانون على المجلس الوطني لحقوق الإنسان، بحجة أنه تمت المصادقة علیه في المجلس الوزاري برئاسة الملك، وذلك في إشارة إلى أن القضایا العسكریة یجب أن تظل ضمن المجال المصان له للملك، وهذا يوضح أن النظام السياسي هو نظام ملكي تنفيذي.
لقد تمت المصادقة على مشروع القانون في الجلسة العامة لمجلس النواب یوم 27 دجنبر 2018، بعد مناقشته من طرف البرلمانيين، وكان من بين الممتنعين هما نائبي فيدرالية اليسار الديمقراطية، وهذا يزيد تأكيدا على أن جل الأحزاب السياسية تفتقد للاستقلالية والجرأة، الشي الذي يجعل الشباب يفقد الثقة في كثير من الأحزاب المؤثثة للمشهد السياسي بالمغرب.
من هنا يمكن أن نخلص إلى أن تعامل الدولة المغربية مع الأزمات تعامل يؤدي إلى تأجيل الأزمة وتعميقها، لكونها تفتقد للعقلانية وللمشروعية، وذلك لأنها لا تريد أن تفقد حضورها المحوري من جهة، ولكونها غير
مستعدة للدخول في بناء دولة حديثة من جهة ثانية، وهو ما ينعكس سلبا على الظروف المعيشة اليومية للمواطنين بشكل عام وضمنهم فئة الشباب، بصورة خاصة.
إن الخروج من هذه الأزمة، يتطلب تكثيف الجهود بين المكونات السياسية الديمقراطية والتقدمية، والنضال والترافع على كافة المستويات، الجماهيرية والمؤسساتية، لطرح مشروع مجتمعي واضح المعالم، شعبي وديمقراطي، يخرج البلاد من أزمتها الأساسية والتي تتجلى في بنية النظام السياسي، حيث ينعكس على ما هو اقتصادي، اجتماعي، ثقافي، فكري، ثم الاستثمار في الرأسمال البشري – وفي مقدمته الشباب – باعتباره القاطرة الضرورية لبناء مستقبل مزدهر يقوم على أسس الديمقراطية الحقيقية والحرية والكرامة و العدالة الاجتماعية.